قراءة لقصيدة عنبرية (للشاعر أبو بكر باسحيم ): عنبرية بها مفتون منذ الصغر اقسم لكم لم يحب قلبي سوى العنبرية ولا زال يحلى حبها في الكبر وإن عشت محروم من نظراتها العاطفية قصتي في هواها ما ألفها بشر أيش عنترة أيش قصة قيس والعامرية ليلة سهر معاها ينتظرني القدر من حب ضحى وأنا واعدتها بالضحية لا أبالي بتهويلات أو بالخطر عاشق وولهان ما اسمع قارح البندقية وإن ترى مفرقي أبيض يالهذا الشعر عند اللقاء نطرح القبلات اكتوبرية الشعر هو تشكيل لغوي مشحون بالعاطفة المتوارية خلف هذا التشكيل تتجلى فيه قدرة اللغة على امتصاص هذا الكم الهائل من الوجدان وقذفه في نفس الملتقي القارئ لهذه اللغة, فاللغة عنصر موصل للتيار العاطفي ويتجلى كذلك قدرة المبدع على مهارة التشكيل . وأثناء قراءة الرسالة المشكلة باللغة تتم عملية محاكاة ومشاركة بين ذات المبدع وذات الملتقي, علماً أن قراءة الملتقي يجب أن تكون تشكيل آخر يوازي التشكيل الأصلي . والنص الشعري الذي نجري عليه قراءتنا للشاعر القدير ( أبوبكر باسحيم ), وهو نص قصير صور فيه حالة العشق والعشيق معاً, والموقف هنا مثل تجربة الحب الصادق, وهذا الموقف شكلته عناصر متعددة بعضها من إدراك حسي وبعضها من إدراك روحي للحب فصورت الأبيات حالة الفرح المتمثلة في الإحساس بتذوق المتعة فالشاعر يبدو فيها قوي, فرحاً, ثابتاً, عاشقاً. (فعنبرية ) التي يطالعنا اسمها في البيت الأول رمز للمحبوبة , ولهذا الاسم دلالات عدة منها شعبيته, بساطته, وفقره, وهو اسم لحيوان بحري وذكر أسماء المحبوبات ليست بدعة في التراث العربي, بل عادة درج عليها كثير من الشعراء مثل عنترة , طرفة, زهير . وتتجلى قدرة الشاعر في جعل هذا الاسم بداية الشطر الأول ونهاية الشطر الثاني (التصدير ) وكأنه يريد القول هي البداية وهي النهاية: عنبرية بها مفتون منذ الصغر أقسم لكم لم يحب قلبي سوى العنبرية وهذا البيت يعد كافياً لمعرفة ولع الشاعر, إلا إنه لا يكتفي بذلك فيصرُّ على إيضاح معالم عاطفته, فالحب الذي بدأه في الصغر ما يزال مشتعلاً حتى في كبره : ولا زال يحلى حبها في الكبر وإن عشت محروم من نظراتها العاطفية العاطفة تجاه المحبوبة لم تخبُ يوماً بدليل الامتداد الزمني الفاصل بين الماضي (منذ الصغر) والحاضر (في الكبر ) وبين هذين الزمنين تطفو أحلام وذكريات الشاعر, ويحلى هذا الحب وينمو ويثمر رغم الإعراض والصد (وإن عشت محروم من نظراتها العاطفية ). الشاعر يرى في تجربته العاطفية فرادة تاريخية لم تتحقق في التراث العاطفي العربي كله هذه الفرادة التي تتلاشى أمامها كل قصص الحب : قصتي في هواها ما ألفها البشر أيش عنترة أيش قصة قيس والعامرية يواصل الشاعر أسترساله العاطفي متلمساً طريق المتعة عبر الأدراك الحسي بتحيقق اللقاء: ليلة أسهر معاها ينتظرني القدر من حب ضحى ,وأنا أو عدتها بالضحية في الشطر الثاني يرسم لنا التشكيل الشاعر محاوراً لنفسه, باراً بوعد قد قطعه على نفسه ويبدو لنا الشطر مقسوماً إلى حكمة (من حب ضحى ) والتزام بتحقيق الوعد ( وأنا وعدتها بالضحية ), ويرسم تشكيل الموقف في هذا الشطر التلازم بين الحب والتضحية, والتضحية هي الحد الفاصل بين كذب المشاعر وصدقها. وإذا قراءنا الشطرين ( قصتي في هواها ما ألفها بشر ) و ( ليلة أسهر معاها ينتظرني القدر ) نتذوق تناغماً موسيقياً بين (هواها ) و (معاها ) . الحب الصادق دوماً مهدداً بالوشاة والحاقدين والحاسدين وشاعرنا الغارق في الحب المحصن بصدق المشاعر لا يأبه لكل هذا: لا أبالي بتهويلات أو بالخطر عاشق وولهان ما اسمع قارح البندقية السن لا يمثل للشاعر حجرة عثرة في طريق الحب ولا يعني عنده انطفاء المشاعر وخمولها, فالشاعر ما زال يقوى على الحب والعطاء : وإن ترى مفرقي ابيض يا لهذا الشعر عند اللقاء نطرح القبلات اكتوبرية في الشطر الثاني تتحقق صدمة الملتقي من خلال لفظة ( اكتوبرية ) التي حققت انزياحاً على المعنى الذي اردناه لقراءتنا, فعناصر القصيدة ومواقفها وألفاظها وجرسها الموسيقي تحقق المعنى الذي طلبناه وهي أنها (عاطفية تجاه إمرأة أحبها الشاعر ) ولكن تأتي لفظة اكتوبرية لتنازح بنا بعيداً , وتوجه قراءتنا للنص في اتجاه آخر, وتقف رادعه لنا لكي لانحمل الشاعر أكثر من طاقته, ولكي لا نتمادى في اتهامه, فقد كشف لفظة (اكتوبرية) النص , قائلة أنه حالة من حالات التعني بحب الوطن . فهل أختلط عند شاعرنا الخاص بالعام ؟ وهل أصبح الوطن هو المحبوبة, والمحبوبة هي الوطن؟ الحقل الدلالي لألفاظ الحب المنتشرة على جسد القصيدة يؤكد صدق مشاعر شاعرنا ويبين ثورته العاطفية مثل (حبها, مفتون, العاطفية, هواها, عاشق, ولهان) تمثل الموقف الشعري العاطفي عند شاعرنا في عناصر عدة منها : أولاً :- التأكيد على استمرار الحب ( البيت الأول والثاني ). ثانياً:-تأكيد الفرادة العاطفية (البيت الثاني ). ثالثاً:- الوعد بالتضحية فداء لهذا الحب (البيت الرابع). رابعاً: عدم الاكتراث للوشاة واللائمين (البيت الرابع). خامساً: التأكيد على قدرة الحب في السن المتأخرة (البيت الخامس). |